۱۸۹۳
۰
۱۳۹۲/۰۸/۲۰

السلفیة و تطور مفهوم الجهاد: من الفقه الاسلامی التقلیدی الی اجتهادات سلفیة جدیدة

پدیدآور: رسول جعفریان

خلاصه

گزارشی است از تطور مفهوم جهاد در میان سلفیه جدید که طی دو دهه گذشته بالغ بر صدها کتاب و هزاران مقاله در این زمینه منتشر کرده و در صحنه عمل نیز خشن ترین رفتارها را با مخالفان خود داشته اند. این مقاله در همایش سلفیة فی التاریخ و الیوم در استانبول طی روزهای 8 ـ 10 نوامبر 2013 ارائه شد.

بسم الله الرحمن الرحيم و الحمد لله رب العالمين

و صلي الله علي محمد و علي آله و أصحابه المنتجبين

 

 

السلفية و تطور مفهوم الجهاد

من الفقه الاسلامي التقلیدی الی اجتهادات سلفية جديدة

 

 

مفهوم الجهاد بين الفقه و الواقع

إنّ مفهوم الجهاد من المفاهيم الدينية القرآنية المقدسة وهو أحد وسائل ترويج التوحيد، کما يکون وسيلة لرفع الظلم و نجاة المحرومين و المستضعفين من الکفار عامّة و المستکبرين خاصة.

وإن وجود هذا المفهوم إلی جانب مفهوم «الدعوة الاسلامية»‌ عن طريق «جدال الاحسن» و العمل بطريق آية «قد تبين الرشد من الغي»‌ يکوّن لنا ترکيباً جديداً لتعريف وجهة‌ نظر الإسلام في أمر توسعة نطاقه والقيم الدينية والإخلاقية.

والمهم أنّ أساس مفهوم الجهاد وفقهه قد أخذ قسم منه من الايات القرآنية والأحاديث وما استنبطه  الفقهاء والمجتهدون منهما، ولکن هذا الأصل - أي الجهاد – قد وقع في مَغبّة المسير التاريخي للفتوحات في عصر النبي (ص) والخلفاء، وهو عهد الفتوحات الأولى والتجارب التاريخية التي حدثت انذاك علي مختلف الجبهات شرقاً وغرباً في القرنين الاوّل و الثاني الهجري.

والواقع أن هذه التجربة التاريخية مع سعتها الکبيرة و نفوذها في عقل الاُمة قد أثّرت علي وجهة‌ نظر الفقهاء بالنسبة للجهاد، لاسيما الاستفادة من «الآثار» أي أقوال وأعمال جيل الصحابة و التابعين والخلفاء بعنوانها متون دينية. وهذا العصر هو عصر الفتوحات وعصر الغلبة علي الإمبراطورية الفارسية الساسانية والإمبراطورية الرومية وعدّة دويلات صغيرة في إفريقيا وغيرها، فلذلك نرى أن الفقه قد دوّن في هذا العصر - أي عصر الغلبة - فقهاً جهادياً متناسباً مع ضروف تلك المرحلة، وهي مسألة مهمة في صدور فتاوي الجهاد في العصر الأول، حيث أکد علي الجهاد أکثر من تأکيده علي الصلح، فكانت أغلب تلك  النصوص ذات صبغة جهاديّة، وفي العصور المتأخرة أيضا کانت الفتاوي مبتنية علي المصادر القديمة، مما أدّى الى استمرار هذا النهج.

و بعد العصر الأوّل، أي في القرون التالية، توسّع فقه الجهاد وصار جزءاً من الفقه السياسي، أي فقه السياسة الشرعية، و ذلك أبان الحروب المختلفة بين العالم الاسلامي - کلاًّ أو جزءاً - مع الکفار، و مثال ذلك ما حدث في القرن الخامس وحتي السابع في الحرب مع الصليبيين أو الحروب التي وقعت في الأندلس مع الأروبيين، فلذا نرى أن أکثر الکتب التي أُلّفت في الجهاد قد ألفت في هذه المراحل خاصةً في مراحل الحروب والفتوحات.

ففي کلّ تلک الحروب الجهادية، کان المسلمون في مواجهة الکفّار لا المسلمين، وقد تكرّر هذا الأمر في عهد الدولة العثمانية في حروبها مع الاُروبيين في القرن العاشر الهجري حتي الثاني عشر و حتي بعدها، وکلّ تلک التجارب هي تجارب تاريخية حربية تؤثر علي فقه الجهاد وفروعه وأخلاقه.

هذا بالنسبة إلى الحرب مع الکفار من المسيحيين، وأما ما حدث في دائرة صغيرة وفي داخل المجتمع الإسلامي، کان نوعاً آخر من الحروب بين المسلمين تسمّي حرب البغاة، وهذه الحروب لاتسمّي جهاداً بالمعني الدقيق الفقهي، وإن کانت في الواقع حرباً وقتالاً وفي بعض الأحيان، أكثر شَراسةً من الحرب مع الکفار؛ وأساس هذه الحروب مبتني على أنّ هناك دولة إسلامية رسمية تحارب البغاة الذين خرجوا ضد الحکومة بمختلف الدلائل؛ وکان الفقهاء منذ القديم ـ وحتي ابن تيميه ـ وفي کلّ مدوناتهم حول السياسة الشرعية، يؤکدون علي عدم مشروعية الحرب من قبل ‌المخالفين مع الدولة ذات الشرعية، حتي إذا کانت فاسدة أو ظالمة، بل يجب الإطاعة و السعي في إصلاحه.

مفهوم الجهاد بين الفقه و الواقع عند مطلع القرن الثاني عشر الهجري: الانفعال!

و عند المطلع القرن الثاني عشر أُنشيء تيار جديد بعنوان التيارالسلفي في نجد بمعتقدات خاصّة تتعلّق بالشيخ محمّد بن عبدالوهاب، وقد قاموا بمحاربة الدولة العثمانية وبعض الساکنين في مکةمن الأشراف و في جنوب العراق مع الشيعة و غيرهم من مخالفيهم.

ففي حرب السلفيين الوهابيين مع الحکومة، کانت الدولة العثمانية‌ تقاتل النجديين بعنوان أنهم من المخالفين المسلحين والبغاة، وفي الطرف الآخر کان النجديون يحاربون الحکومة والحكام وذلك بعد إطلاق کلمة الکفر عليهم، وبعبارة‌ أُخري، هم وسّعوا مفهوم الکفر، بحيث شمل قسماً کبيراً من المسلمين، بعد أن قالوا بمفهوم خاص للتوحيد والشرک، فكانوا يقاتلونهم باعتبارهم کفّار.  و معنى هذا: إنّ في القرن المذکور وعلي أساس التجربة التاريخية الجديدة من أمر الحرب و الجهاد، قد توسّع مفهوم الجهاد وتغير، فقد ورد في کتاب «المجد في تاريخ نجد» عند البحث عن بدء الحرکة الوهابية في سنة 1158: (ولما مَنّ الله سبحانه بظهور هذه الدعوة و هذا الدين و اجتماع شمل المسلمين و إشراق شمس التوحيد علي أيدي الموحدين إمر الشيخ [محمد بن عبدالوهاب] بالجهاد لمن أنکر التوحيد من أهل الالحاد) [المجد في تاريخ نجد 1/ 48] و واضح ان المقصود من الموحدين النجديون، و من الجهاد هو المفهوم الشرعي للجهاد مع الکفّار، و من «أهل الإلحاد» في ذاک الزمان، أي المسلمون المخالفون للوهابية، وما وقع من الحوادث بعد ذلک، خير شاهد علي ذلك، وكانوا يطلقون کلمة «المسلمون» على الوهابية فقط: (وفيها - اي سنة 1161- غزا المسلمون بلد ثادق و جعلوا لهم کميناً فأخذوا أغنامهم و قتل من أهل البلد ستة رجال ...) [المجد:‌1/59] و هذا الخطاب کان جارياً في کلّ الکتاب، ونراه واضحا عند البحث في أعمال الوهابيين للسيطرة علي الجزيرة العربية و حواليها.

ومن هنا بدأ أصل جديد حول التعامل بين مفهوم السلفية والجهاد، وهذا أصل مهم متّخذ من التعامل بين الفقه في معناه الديني والتجربة التاريخية‌ الجديدة.

وأما في اواخر القرن التاسع عشر الميلادي کان العلماء‌ والکتّاب الاسلاميون، وعلي طول القرن العشرين الميلادي كذلك، قد بدأوا بمواجهة الفکر الغربي الجديد، وصبوا جلّ اهتمامهم في مواجهة الحملة الغربية ضدّ التاريخ الاسلامي و الفتوحات الاسلامية، وكان نتيجة ذلک أنهم کتبوا كتباً في الدفاع عن الإسلام ومبادئه، ومنها الجواب عما يقال أن الاسلام دين السيف؛ فلذا سکتوا عن أمر الجهاد الإبتدائي أو جهاد الطلب، وذلك بدليلين: الدليل الأوّل هو انکسار الدولة العثمانية في مقابل الغرب وروسيا وعدم وجود أي ارضية مناسبة لجهاد الطلب لضعف المسلمين عامة، والدليل الثاني- کما يقال من ناحية الإسلاميين ـ هو رواج الفکر الغربي في العالم الإسلامي و التأثر بالميول الفکرية الغربية الجديدة،

ونتيجة لذلک نراهم أنهم أوّلوا:

أوّلاً أصل الجهاد باعتباره عمل لبسط الإسلام في العالم، بل قاموا بالتركيز على مفهوم الإکتفاء بما کان في أيديهم من البلاد والترکيز علي إصلاح تلك البلاد فقط، أي أنهم قاموا بالتخلّي عن الفكرة الجهادية العالمية، وتأسيس دولة عالمية للإسلام علي الإقل عن طريق الجهاد والقتال.

وثانياً تأولوا فقه الجهاد و عرضوه بشکل يتناسب والأفکار الليبرالية الغربية، ولذا نرى أن الحركات الثورية المسلحة والتي اعتمدت في اسلوبها الكفاح المسلح كانت منحصرة بالحركه المارکسية في تلك الحقبة من الزمن.

 

المعتدلون وتفسير الجهاد بالدفاع

والحاصل أنّ في القرن العشرين، حاول أکثر المصلحين الإسلاميين تبيين مفهوم الجهاد، وعرضه بصورة مختلفة عما کان في الفقه الاسلامي القديم من حکم الجهاد الابتدايي و الغنائم و أحکام الأسير و صيرورة الأسير عبداً و غير ذلک. فهذا الشيخ محمد عبده المفتي في الديار المصرية، لم تکن افکاره تتلائم مع التطرّف، بل يؤکد أنّ الجهاد بمعني الجهد وبذل الوسع و ليس مختصاً بالجهاد بالمعنى الأخص، و هو لا يوافق على إکراه الناس لقبول الاسلام، و قال بالنسبة إلی الفتوحات الإسلامية: (اقتضته طبيعة الملک و لم يکن کلّه موافقا لاحکام الدين). [تطور مفهوم الجهاد في الفکر الاسلامي، في ص 67] کما إن علي عبدالرزاق ـ من التنوريين ـ يعتقد أن الجهاد في سبيل الملک لا في سبيل الدعوة [تطور مفهوم... ص 72] و هکذا غيرهما من رجال الدين و الفکر في مصر و غيرها من البلاد من بداية القرن العشرين إلی الستينات.

 

التجديد في الفکر الجهادي: رشيد رضا، سيد قطب ومودودي انموذجا:

في الثمانينات كانوا يفسّرون الجهاد غالباً بعنوان الدفاع عن الدين إلا ما ندر مثل السيد محمد رشيد رضا الذي فسّر مفهوم الجهاد من جديد، و رسم المقدّمات و المقوّمات لتشديد الفهم السياسي للإسلام حيث طرح مفهوم المعارضة من دون التسامح مع المخالفين و التأکيد علي مفهوم الأسلمة في المجتمع الاسلامي.

و في المرحلة الأخيرة مع تشکيل حرکة الإخوان في مصر و الجماعة الاسلامية في باکستان بدأ فکر الجهاد من جديد، خصوصاً بعد أن أحس العالم الاسلامي  بنوع من الصحوة و رأي في نفسه القدرة على التصدي للدول الغربية ومطامعها. فنري في فکر حسن البناء [1949] و سيد قطب [1966] و المودودي [1979] صار الفکر الجهادي متفاوتاً عما کان عليه قبلهم، و کتب عدد من المؤلفين كتباً في الدفاع عن مفهوم الجهاد باعتبار أنه وسيلة لا فقط للمواجهة مع الاستعمار، بل لنشر الاسلام في العالم؛ في مفهومه هذا بمعنى السعي إلى تحقيق إسلام إهل الارض ما عدا أهل الكتاب واعتناقهم عقيدة الإسلام، وأما أهل الكتاب فيجب عليهم أن يدفعوا الجزية حال کونهم في ذلّ و صغار، و خير مثال على ذلك ما قاله ابوالأعلي المودودي: (إنّ الاسلام فکرة انقلابية و منهاجاً إنقلابياً يريد أن يهدم نظام العالم الإجتماعي بأسره... و يؤسس بنيانه من جديد... و الءسلام يتطلب الأرض و لايقنع بقطعة أو بجزء منها، و إنما يتطلب و يستدعي المعمورة الأرضية کلها) [الجهاد في سبيل الله، المودودي، (قاهره، 1977) ص 23، 29، 51]، و قال: (إن غاية الجهاد في الإسلام هو هدم بنيان النظم المناقضة لمبادئه، و إقامة حکومة مؤسسة علي قواعد الإسلام في مکانها و استبدالها بها، و هذه المهمة، مهمة إحداث إنقلاب اسلامي عام، غير منحصرة في قُطر دون قطر، بل ما يريده الإسلام و يضعه نصب عينيه أن يحدث هذا الانقلاب الشامل في جميع أنحاء المعمورة) [الجهاد في سبيل الله، ص 14].

 وهذه الفکرة خلقت الأرضية المناسبة لإنبعاث الفکر الجهادي بين المسلمين الثوريين في الثمانيات و التسعينات، و بداية القرن الواحد والعشرين الميلادي، و الثوريون من المسلمين عموماً كانوا يفتقدون الثقة بالنظام العالمي ومؤسساته، وكانوا يتّهمون دولهم التي التزمت بالنظام الدولي بأنها قد انحرفت عن اُصول الإسلام. و لايخفي أن هذا النزاع موجود في عمق المجتمع الاسلامي من الستينات و بعده حتي ظهرت بعض الثورات الاسلامية....

 

تبلور الإرتباط بين الفكر الجهادي و السلفي عند الاجتياح الروسي لأفغانستان:

إن محور الارتباط و الإتصال النظري بين الفكر الجهادي والسلفي قد تمثّل في الارتباط بين حرکة الفکر الجهادي عند الثوريين من الإخوان و السلفيين المصريين من جهة، و بين الوهابية في السعودية من جهة أخرى، وقد تبلور هذا الارتباط العملي، في جهاد الأفغان ضد روسيا. حيث نري تأثير الأفکار السلفية سيما الشيخ ابن تيميه الذي کتب في الجهاد في الفترة التي کان العالم الاسلامي مشغولاً بأمر الجهاد، وأفکار الإخوان و خصوص ما کتبه السيد قطب في الجهاد ضد الغرب، مضافا إلى ما وصل الی الوهابية من ميراث الحرب في البادية و صراعهم ضد الدولة العثمانية.

فعند بدء حرب الأفغان مع الروس في أوائل الثمانينات من القرن الماضي تغير الوضع بالنسبة الی مفهوم الجهاد و تطوّره في قالب جديد، فقد تشکلّت خلال الحرب المذکور لأوّل مرة أحزاب إسلامية جهادية للحرب ضد الرّوس، وهي الدولة الکافرة التي لاتعتقد حتي بوجود الله سبحانه و تعالي. والجدير بالذكر أنّ الحرب الجهادية تلك كانت وفقاً للمباني الفقهية القديمة:‌ أي حرب المسلمين ضد الکافرين، و لکن لم يستمرّ الأمر على هذا النحو، سيما مع سقوط الدولة المارکسية و تشکيل دولة إسلامية ـ ظاهرا ـ في أفغانستان. حيث أن حزب القاعدة‌ و طالبان کانوا في صدد الاستحواذ على الحکومة و تشکيل الخلافة، فبدأوا جهاداً جديداً مع الدولة المسلمة المستقرّة في أفغانستان بعد زوال الدولة المارکسية و سقوطها.

 

فتح الجبهة العالمية للجهاد السلفي في الحرب مع امريکا في الحادي عشر من سبتامبر

بعد المعضلة الروسية في أفغانستان، کان تنظيم القاعدة و عامة السلفيين الجهاديين قد بدؤا الحرب الخفية مع امريکا بسبب نفوذها في العالم عامة و في البلاد الإسلامية خاصة، و الحال أنّ الوضع السيء الحاکم في البلاد الاسلامية و تحقير المسلمين و تسلط الأمريکان، و شيوع الفقر بين المسلمين، كلّ ذلك کان سبباً في تعاطف الشباب المسلم من أهل السنة مع القاعدة و السلفيين وكان ذلک التعاطف يتزايد يوماً بعد يوم، وكانت النتيجة، ايجاد نوع من الحرب بين أمريکا من ناحية و القاعدة من ناحية أُخرى، ومن الطبيعي أنّ الشباب المسلم كان يتعاطف مع القاعدة فانتشر فکر الجهاد بشکل وسيع، و کانت الأسباب التي أدت الى انتشار الفکر الجهادي  في هذه الحقبة الزمنية متفاوتة مع ما کان سابقاً، حيث انعکس ذلك في الكتب التي طبعت في الكثير من البلاد حول الجهاد، والتي كانت تحرّك الشباب دائماً نحو الجهاد تحت ظل الفکر السلفي.

فلما کان في تفسير السلفيين أنّ الدول الاسلامية تحت سيطرة أمريکا، و بما أن امريکا و المتحالفين معها يکون بمجموعة ما يعرف بعنوان «التحالف اليهودي الصليبي»، کان الجهاد مع هذه الدول مثل الجهاد مع أمريکا، و ذلک بمعني أن مفهوم «العدوّ» عند السلفيين، يشمل كلاً من أمريکا ويمتد إلی حلفائها الذين يدافعون عن إسرائيل و يتدخلون في شؤون الامّة الإسلامية، ثم ءلي الدول الاسلامية السايرة في ركاب أمريکا و حلفائها، ثمّ إلی عامة الناس الذين يهادنون حكوماتهم، ثم إلی الذين سکتوا و لم يشارکوا مع السلفيين في الجهاد، فيجب محاربة هولاء جميعاً بناء على مفهوم العدوّ عند المنظمات الجهادية وبكل وسيلة ممكنة، و هذا الطريق الذي يسمّونه الجهاد الديني و الشرعي يسوّغ لهم الجهاد في جبهات مختلفة من امريکا إلی أبرياء المسلمين و الناس في الأسواق و الشوارع، حيث يقتل الجميع من دون سبب واضح تحت عنوان المصلحة التي يشير إليها فقهاء السلفية في أي مورد لم يکن لها دليل الشرعي الصريح.

 

التطور في أرکان بحث الجهاد العلمي و الفقهي

لقد كان حصلية النزاع بين القاعدة من ناحية و امريکا من ناحية اخري ما صار يطلق عليه اليوم الجهاد الديني، و لما صارت الحرب واقعا لا مفرّ منه صار علي المدافعين عن هذه النظرية الجهادية أن يکتبوا کلّ يوم عن الجهاد و الدفاع عنه و توسعته المفهومية و فروعه الفقهية مع ما يتناسب مع ما يجري في عالم الواقع الخارجي و ميدان الحرب.

ومن أهمّ العوامل التي ساهمت في تقوية الفکر الجهادي، هو الهجوم الذي تعرضت له امريكا في الحادي عشر من سبتامبر و حرب أفغانستان و العراق، فوفرت القاعدة الأرضية المناسبة لدخول امريکا الی هذين البلدين بعد ذلك الهجوم، وعند احتلال البلدين من قبل امريكا فار التنور و صار آلاف من الشباب المسلمة محامياً للقاعدة تحت ظلّ الفکر السلفي ـ الجهادي.

واليوم نرى أن مفهوم الجهاد يمثل الأصل بالنسبة إلى تلك الحركات، فالقاعدة لم يکن لها عمل إلا الجهاد، و هذا المفهوم هو الذي کان أساس الانضباط في تنظيم القاعدة بين رأس الهرم و أسفله. كل ذلك يحتاج الی التنمية الفکرية و تدوين المتون و الکتب و الرسائل و .... لتقوية فکر الجهاد و توجيه فکر الجهادي إلى ما يحدث حوله في الواقع الخارجي و ما يجب أن يقوم به من أعمال مختلفة باسم الجهاد.

اما الکتب التي انتشرت في التعريف بالجهاد فقد تمحورت حول محورين: الأول مفهوم الجهاد العلمي و الثاني احکام الجهاد الفرعية.

 

التطور في مفهوم الجهاد العلمي:

إن أول شيء تعلمه الجيل الثوري السلفي الذي انبثق من الحاضنة الجهادية السلفية في أفغانستان و الذي تربى في ظل الکتابات الفكرية للسيد قطب و المودودي و غيرهما،  هو الهجوم على الغرب باعتباره مهاجماً  للعالم الاسلامي، فظهرت الحاجة إلی المتون و الکتب  لتبيين موضوع الجهاد عليهم و عدم الاعتماد علي أنظمتهم. و قبل ذلک، ظهرت الحاجة لديهم للردّ علي المؤلفيين الإسلاميين الذين اعتبروا أمر الجهاد عنواناً من عناوين الدفاع و عرّفوا الإسلام بأنه يوافق الديمقراطية الغربية و نظام المشروطة و الرئاسة الجمهورية، و أن هذا الدين ليس دين الجهاد و القتال، بل دين السلم و السلام، و الدين الموافق  لحرية الانسان في مفهومها الجديد.

و من الکتب التي صدرت في سنة 1999 کتاب الجهاد و الاجتهاد، تأملات في المنهج لعمر بن محمود ابوعمر [و يوجد نفس الکتاب في الاينترنت باسم ابوقتادة الفلسطيني!]، فکتب في مقدمة کتابه هذا بعد الانتقاد للندوات في بلاد الردة ـ علي حسب قوله ـ عن موضوع «علاقة الاسلام بالغرب» و التعريف بـ «الاسلام الغربي المنحرف»: هذه الندوات کلها تدور في فَلَک الفتوي العصرية التي يسعي من أجلها الغرب في ترويض الإسلام و إزالة عوارض و موانع الغزو الحضاري الغربي وأبعاده الفکرية الکافرة [الجهاد و الاجتهاد، ص 11]. و أضاف: و من مصاديق هذا «التيار المنحرف» هو «راشد الغنوشي» عند دعوته إلی انخراط الشباب المسلم في اروبا في داخل المجتمعات» [ص 12].

فالکاتب لايقبل أي ميل فکري الی قبول الديمرقراطية الغربية و التعامل الايجابي معهم، بل يؤکد علي «الصراع الدائمي» بين البشر، بين الحق و الباطل، و هذا عنده هو الأصل الأول، و يستدل بآيات قرآنية عليه، منها «قل جاء الحق و زهق الباطل إن الباطل کان زهوقا» و من هنا يبدأ البحث حول الجهاد على أنه أصل ثابت حاكم و مقدّم علي کل شيء. [ص 15 و بعدها].

فالمؤلف يکفّر کلّ من يطلق عليه اسم الطواغيت، ليس مقصوده من ذلك  کفار أهل الکتاب في حكومات امريکا و الغرب، بل مقصوده کلّ أو أغلب رؤساء الحکومات في البلاد الاسلامية، و يؤکد علي تنظيم المنظمات الجهادية و الترويج للجهاد. وهذا الکتاب يعتبر من أول و أهمّ الکتب التي ساهمت في تبيين مباني الجهاد السلفي الجديد.

 

التطور في الفروع الفقهية للجهاد:

لقد قلنا أن الفقه الاسلامي و منه بحث الجهاد يعتبر جزءاً من السياسة الشرعية، حيث أنه کان متطوراً من حيث انطباقه مع الواقع، ولكن مع تغيّر العالم وآليات العمل في الحرب و النظام المالي و غير ذلك من الامور، هذا من ناحية، والنظام السياسي العالمي الجديد و العلاقات الدولية من ناحية اُخرى، كل ذلك جعل لا مناص من التغيير في مباحث عديدة من الجهاد، سيما عند المنظمات التي تعتقد أن الجهاد هو الأساس و المحور الأصلي في العلاقة بين المسلمين و غير المسلمين.

ففي الواقع هناك وقائع جديدة و اجتهادات سلفية جديدة في هذا المضمار، حيث بدأ فکر جديد من ناحية‌ السلفية الوهابية حول الجهاد، فكتبت العديد من الکتابات و الرسائل الجامعية في الجامعات السعودية و غيرها و كانت متخصصة في تغيير و توسعة مفهوم الجهاد الجديد حتي ينطبق علي الشرائط الجديدة التي أملاها الواقع على الجهاد، و تهيئة النصرة علي العدوّ بناء على عقيدة السلفية الجهادية، أما سلفية السعودية، أي الفقهاء و الکتّاب الذين کانوا علي صلة مع الدولة السعودية كانوا أحيانا ضد السلفية الجهادية في بعض الفروع، مثل إطاعة الحکومة السعودية و أيضا حکم الجهاد، حيث نري بعضهم کتب حول شرائط جهاد الطلب في هذا العصر، فبعد تناوله البحث الفقهي، قال: «إن العالم الاسلامي يعيش حالة من التخلف التقني و العلمي و العسکري مقارنة بالدول الکافرة، و إذا نظرنا إلی ميزان القوي نجد فرقاً کبيراً و بوناً شاسعاً بين ما يمتلکه المسلمون و ما يمتلکه أعداءهم و أنواع و أعداد الاسلحة»... و يستنتج من ذلک أن في زماننا هذا لايجب الجهاد، لأن الأعداء يترصّدون كل تحرّک عسکري للمسلمين، فيتربّصون بنا الدوائر لمهاجمتنا، فالان لايجب الجهاد لأن شرط الاستطاعة غير موجود، ثم يؤکد: أن الجهاد إنما شرع لإعلاء راية الدين و کسر شوکة أعدائه و قهرهم، فإذا ضعفت الامة عن مواجهة‌ الأعداء بسبب ضعفها، أو تفرقها أو کثرة عدد العدو، أو امتلاکه الأسلحة المدمرة التي لاطاقة للمسلمين بها، فإن المشروع أن يکف المسلمون أيديهم و يؤخروا جهاد الطلب... [الاعمال الفدائية، ص 87]

و لکن السلفية الجهادية تحت قيادة القاعدة و غيرها يعقتدون بوجوب الجهاد، و کثير من المؤلفين ممن يناصرهم کتبوا رسائل عديدة في الجهاد مناصرة لهم ودفاعاً عن أعمالهم.

 

مباحث فقهية جديدة في الجهاد:

لقد استجدت مباحث جديدة وفي موارد مختلفة من الجهاد منها:

ألف: التطور في مفهوم الکفر و الکفار ممن يجب علي المجاهد السلفي الجهاد معهم بأي شکل ممکن.

ب: بحث الامامة و الاذن من الإمام في الجهاد و بسط مفهوم الجهاد علي القتال ضد الحکومات الاسلامية الفاجرة التي ليس لهاولاية شرعية علي الامة.

ج: التطور في العمل الجهادي (من جواز استعمال  العنف) وهذا يشمل الأعمال الانتحارية و الفدائية و ما يسمي بالإرهاب و قتل الأبرياء في الاسواق و الشوارع و المساجد و غير ذلک.

و الغرض من هذا البحث هو أن المباحث الفقهية للجهاد في الفقه الاسلامي القديم، هل تکفي لتوجيه ما يحتاج اليه الواقع الجديد ام لا؟ أي هل تنطبق المفاهيم القديمة علي المصاديق الجديدة أم لا؟

 

أ . مفهوم الکفر في ثوبه الجديد و دوره في تفسير جديد للجهاد

إنّ الفقه الاسلامي يؤكد على أن الحرب مع اي عدوّ كان فانه يحتاج إلی توجيه فقهي ليتضح من خلاله جواز محاربة العدوّ من حيث أنه إما أن يكون کافراً حربياً، أو مشرکاً يعبد الأصنام، أو باغ و خارج علي الحکومة، أو أمور أخر بحثوا عنها في الفقه. ولکن الأصل في الجهاد، هو المقاتلة مع الکفار وأن الجهاد معهم يسمي باسم جهاد الطلب أو الدفع. فإذا کان الأساس هو مفهوم الکفر، فحينئذ يكون لتعريف الکفر دور خاص في «الجهاد»، ولكن هذا التعريف فيه بعض الخلافات بين المتکلمين و الفقهاء و لها معاني و مفاهيم مختلفة تركت اثارها في موارد شتى من الفقه و منها في أمر الجهاد.

و أما بالنسبة إلی ما جري و يجري في الحروب الجهادية الأخيرة،  في بلاد الکفار أو البلاد الإسلامية المحتلة أو الحکومات العلمانية و غيرها، فإنّ مسألة الکفر و الجهاد علي صورتين:

الأوّلى: بالنسبة إلی الدول الکافرة في العالم مثل أمريکا و سائر بلاد الغرب و غيرهم.

الثانية: بالنسبة إلی الدول أو المنظمات أو اشخاص ظاهرها الاسلام و لکن لدلائل ما، تدعي السلفية بأنهم کفار أو مرتدون.

أما بالنسبة إلی الدول الکافرة، فانّ الفقه يقسم «الدار» بدار الإسلام و دارالکفر؛ وقد حلّ الاختلاف في أن هل کلّ دار کفر هي دار حرب أم لا. و كذلك ايضا في تعريف دار الاسلام، هل باعتبار أن أهلها مسلمون أو باعتبار اجراء احکام الاسلام، و اخيراً و جديداً: هل البلاد الإسلامية المحتلة من ناحية الکفار يطلق عليها دار الاسلام او دارالحرب وغير ذلک من الاختلافات.

فإن السلفية في رسائلها الجهادية الأخيرة کانت تنظر إلی هذه الأبحاث من منظار خاص في تجويز الحرب و الجهاد بأسهل طريق ممكن. [علي سبيل المثال راجع: مسائل من فقه الجهاد، ابوعبدالله المهاجر! ص 16 ـ 17] کما قال في مواضع أخر: کلّ من لم يکن من الکفار من أهل العهد مع المسلمين، فهو من أهل الحرب [مسائل من فقه الجهاد، ص 23].

فمعني الحربي في التعريف جاء مرادفاً و مساوياً للکفر إلا في مورد العهد: فکلّ کافر هو حربيٌّ وليس له أمان من أهل الاسلام [نفس المصدر ص 43].

و في هذا التعريف، لم يکن فرق بين المَدنيين و العسکريين، لأنّ الفکرة الجهادية السلفية لاتعرف اصطلاحاً باسم و معنى المدنيين، و تقول: هذا المصطلح بما رُتب عليه من أحکام، باطل، منقطع النسبة، و النسب بشرع الله و دينه لفظا و معني، إذ الإسلام لايفرق بين مدني و عسکري [نفس المصدر، 139]. فيجب قتل کلّ کافر يمکن له القتال و إن لم يقاتل مع المسلمين، فشرط کونه من أهل القتال، أي من کان مطيقا له [نفس المصدر ص 142].

اما نسبة الکفر و الحرب في البلاد الاسلامية، فهو بناء على تفسير جديد للکفر، فإنّ کثيرا من هذه البلاد بل کلها، عند السلفية الجهادية خارجة عن معايير الدولة الاسلامية، باعتبار أنها إما کانت محتلّة من ناحية الکفار الغربيين، أو لأنهم مسلّطون علي شؤون هذه البلاد، أو لإعتناء حکامها بالأنظمة الجديدة من دون العمل بالشرع الاسلامي، فتکون حينئذ من دارالکفر أو ما شابه هذا المعنى.

يقول الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ من علماء السعودية: البلد التي يحکم فيها بالقانون، ليست بلد إسلام، تجب الهجرة منها [فتاوي و رسائل الشيخ محمد بن ابراهيم، 6/ 188 نقلا عن مسائل من فقه الجهاد، ص 21] و هکذا يحكمون على سائر بلاد المسلمين بدليل وجود الفرق الاسلامية مثل الصوفيين وغيرهم المخالفة لأهل الحديث قديما و حديثا.

فهذه الأحوال التي نراها في بعض البلاد الإسلامية وقد نشبت فيها الحرب الأهلية و قتل فيها کثير من المسلمين الأبرياء لم يکن لها مثيل في العهد الاسلامي القديم حيث أن المسلمين انذاك لم يقتتلوا فيما بينهم على أساس مبنى فقهي مشروع ولكن السياسه والحكومات كان لها الدور الكبير في صياغة الكثر من أمثال هذه التشريعات.

فأول مرّة اقتتل المسلمون من أهل السنة فيما بينهم علي أساس مفهوم الکفر، هي الحرب التي دارت بين النجديين و الدولة العثمانية. حيث کانت الدولة العثمانية‌ تنظر إلی النجديين بعنوان المخالفين المسلّحين و البغاة المسلم، و تقاتلهم، و هذا أمر له اساس فقهي قديم وذلك أنّ الدولة العثمانيه کانت تمثل دولة إسلامية مشروعة في ذاک الوقت، و لکن في الطرف الآخر، کان النجديون، يحاربون الحکومة باطلاق کلمة الکفر عليهم، بالرغم من أنهم من أهل السنّة ويحكمون تحت عناوين مثل الخليفة و خادم الحرمين الشريفين، و نستطيع القول: أن النجديين السلفيين وسّعوا مفهوم الکفر بحيث شمل قسماً کبيراً من المسلمين السنّة، بناء على مفهوم خاص من التوحيد و الشرک، ثم صاروا يقاتلونهم بأنّهم کفّار، و هذه بداية لما نراه الآن من شمول عام لمفهوم الکفر و الجهاد في البلاد الاسلامية.

و من هنا ظهر أصل جديد في التعامل بين المفهوم السلفي و الجهاد، و هذا أصل مهم نابع من كيفية التعامل بين الفقه في معناه الديني و التجربة التاريخية‌ الجديدة.

وهذا هو أول الخلاف الشديد وبداية للمشاحنة والاقتتال الذي دبّ بين الدول الاسلامية و بين القاعدة و ساير الحرکات الإسلامية المتصلة بها، على أنّهم ليست لهم دولة مستقرة، و لکنهم يحاربون تحت ظل بعض المفاهيم مثل الکفر أو إتهامهم بذريعة أنّهم مسندون بحماية من الدول الغربية و الکفار.

و الجدير بالذکر، أن الکفر، في تفسير النجديين يعتبر أن کثيرا من مخالفيهم کفار في العبادة مثل القبوريين و الصوفيين و غيرهم، وقد ظهر للكفر معني جديد اخر يطلق علي العلمانيين. فعليه يکون الکفر في داخل المجتمع الاسلامي، کفرين و شرکين:

الشرک الأوّل: هو شرک عبادة الأوثان و قد الحقوا بهذا المعنى القبوريين والصوفيين، و غيرهم من الفرق الاسلامية التي لا تمت بصلة للمنهج الفکري للسلفية الوهابية، فهم کفار تجب محاربتهم مع وجود اختلاف يسير في التطبيق و غيره.

الشرک الثاني: اللحوق بالمشرکين، و هذا الشرک يشمل قسماً من التنوريين و العلمانيين. فالکاتب عمر بن محمود ابو عمر يقول: و قد لحقت طوائف من أمتنا بهذا الشرک و الکفر [ و هو شرک المتعبدين من صوفية و قبورية و خرافية] و دخلت فيه إلی أعناقها ... و هو شرک اللحوق بمناهج و نظم و قوانين المشرکين، و الدخول في طوائفهم، کاللحوق بالشيوعية و العلمانيه و البعثية و الوطنية والقومية و غيرها من صور الشرک و الکفر الأکبر، وهذا النوع من الشرک قد کثر هذه الأيام و تعاظم أکثر من غيره من صور الشرک الاخري» [الجهاد والاجتهاد، ص 25 ـ 26] فالأوّل عنده شرک القبور، وا لثاني شرک القصور، و هذا وقعت فيه طوائف العلمانيين [ص 27].

و هذا الکتاب ، يبحث بشکل تفصيلي عن شمول مفهوم الکفر و تسهيل نسبة التکفير إلی الأشخاص واتهامهم ورميهم به، و يستند في ذلک إلی بعض الأخبار و الأقاويل المنسوبة إلی حنابلة بغداد في القرن الثالث، سيما ما روي عن أهل الحديث و امامهم الامام أحمد بن حنبل [164 ـ 241] في تکفير المخالفين، ثم يقول: إن اتهمنا بأننا خوارج، فقد اتهم أئمتنا بهذه التهمة من قبل! [ص 54]

فنتيجة هذه الافکار التکفيرية في ميدان العمل، هو تجويز الحرب و المقاتلة مع المخالف لهم بأشکال مختلفة، سواء بشکل إرهابي أو غيره، لأنهم يعيشون في مجتمع له دولة و حاکم. فتفرض عليهم هذه الفکرة أن يحاربوا العلمانيين بشكل قاطع فضلاً عن القبوريين و الصوفيين لاستئصالهم وقلع جذورهم من المجتمع وابعادهم عن الحکومة، و ذلک لايتمّ إلا بعمليات فدائية واسعة النطاق في مراکز اجتماعهم الديني و المذهبي و غيرها.

و اخيراً .... فإن التکفير بناء على هذه الفکرة لايشمل الأشخاص فحسب، بل يشمل الدول الحاکمة في البلاد الاسلامية، بذريعة أن هذه الانظمة تعتني بالمناهج السياسية والقوانين الحقوقية الغربية. يقول عمر بن محمود: و جماعات الجهاد في العالم الاسلامي ... فلايمکن لأفرادها الصمود إلا إذا اعتقدوا بدليل الشرع و القدر أن هذه الحکومات شرک و ردة [ص 63].

و من المفاهيم التي تستفيد منها السلفية الجهادية ضد بعض الولاة في البلاد الاسلامية و حتي في الجزيرة العربية، عنوان «عميل امريکا» و «المرتد» وغيرها وعلى سبيل المثال ورد في رسالة «التتار و آل سعود» بقلم الشيخ الشهيد ـ وذلك علي حدّ التعبير الذي جاء علي ظهر الرسالة في صفحة الاينترنت و طبع في نشرية صوت الجهاد للقاعدة الجزيرة ـ عبد الله بن محمد الرشود هذه العبارة:

«بل إن ضلال آل سعود خرج من طور منهج الخوارج المارقين إلى حضيض المرتدين المحاربين لهذا الدين، محاولين التستر على كفرهم، بمجرد الانتساب والادعاء والسماح بإقامة بعض الشعائر والشرائع التي لا تمس مصالح اليهود والنصارى وحلفاءهم في الداخل والخارج تلبيساً وتدليساً، وكان من مظاهر تجاوز حكومة آل سعود حد الخوارج إلى مهاوي المرتدين ما زادوه على قتل المسلمين وترك المشركين من إعانة المشركين على قتل المسلمين بفتح أرض الجزيرة للكفار ليضربوا المسلمين من خلالها...» و أمثال ذلك کثير ليَطال الدول البعثية و الوطنية و غيرهما. و قد جاءت هذه الرسالة في شرح فتاوي ابن تيمية‌ حول التتار و تطبيقه علي آل سعود.

ويجب علينا أن نشير في ذيل هذه المسألة إلی قتل أهل الذمة في البلاد الإسلامية في السنوات الأخيرة، حيث إني ما رأيت حتي الان توجيها فقهيا لذلک، فمن الممکن أن يقال أن قتلهم باعتبار أنهم محل اعتناء الکفار الغربيين و جواسيسهم أو غير ذلک، أو ربما يدعون أن هذه الأعمال انما جاءت من ناحية بعض المتطرفين الذين لم يکن عملهم موافقاً للشرع.

 

ب: حذف شرط إذن الامام و تبديله بإذن المنظّمة؟

من الشرايط الواجبة في الجهاد هو إذن الامام، و ذلک يتبلور في الخليفة و الأمير الذي کان له مشروعية من ناحية الخليفة کما يقول ابن قدامة: أمر الجهاد موکول إالي الإمام و اجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلک [المغني، 8/ 352].  و بحث عن ذلک مؤلف کتاب الاعمال الفدائية [ص 99 ـ99] و أکّد علي لزوم إذن الامام و لو کان فاسقا، لأن أباايوب الانصاري غزا مع خليفة فاسق و هو يزيد، و لکن اخيرأ بدء الترديد في المسألة، و القصة هذه:

فبعد انحلال الخلافة العثمانية، و تقسيم البلاد الاسلامية الکبيرة إلی دويلات مختلفة صارت مسألة الإذن مشکلة عويصة، لأنّ الحکام في البلدان الإسلامية المقطعة ليست لهم قدرة علي الجهاد، و أکثرهم - مع ملاحظة النظام العالمي - لايعقتدون بأمر الجهاد. فالسؤال المهم عند أهل السنة، أنه كيف يمكن الجهاد في هذا العصر؟ و إذا لم يکن هناك خليفة و أمير يحرض الناس علي الجهاد و يأمرهم به، فکيف يمكن أن يكون التکليف بحکم الجهاد؟ فيحسبون هذه الشرائط من معوّقات الجهاد، کما يقول احدهم: و کيف أصبح الحال؟ أين ولاة المسلمين من أداء واجبهم الجهادي، هذا اللفظ الذي يمثل کابوساً جاثماً علي کثير منهم، حاربوه قولاً و فعلاً، فاسم الجهاد مستبعد من ألفاظهم و أسمائهم العسکرية، و عسکريتهم بعيدة عن الواقع الفعلي للجهاد [معوقات الجهاد في العصر الحاضر تحليلا و تقويما، عبدالله بن فريع العقلا، مکتبه الرشد، 2002، ص 55]

و هذه المسألة هي مشکلة أهل السنة بعد انحلال الخلافة، و مع ذلک فإنّ کثيراً من علماء أهل السنة في البلاد الاسلامية کان لهم صلة بالدولة، و يعقتدون أن الحکام الفعليين للبلاد لهم المشروعية و اليهم يعود الحکم و الإذن، و لکن بما أن هولاء الحکّام لايقدمون علي أمر الجهاد، ففي نظر السلفية الجهادية أن هولاء ليس لهم صلاحية الحكم و أساسا لم يکونوا في فکر اجراء حکم الجهاد و في الواقع هم عملاء للدول العظمى مثل امريکا و روسيا.

فلذا بدأ السلفية الجهادية بالترديد في إطاعة ولاة الأمر حاليا، و اتهموهم بأنهم من البعثيين و الوطنيين و غير ذلک و لاينبغي أن يعتني بهم، لقبولهم ولاية الکفار و الغرب.

فقد أنكر السلفية مسألة إطاعة الولاة، و جوّزوا الخروج بالسيف عليهم، و إن کان هذا خلاف ما أجمع عليه علما‌ء‌ أهل السنة في القرون المتوالية، و هذا أوّل ترديد في نفي الأنظمة الفعلية الحاکمة في البلدان الاسلامية و البدء بعمليات و ترتيبات جديدة من التعبئة وايجاد تشکيلات و تنظيمات أخَر بديلة عنها.

و أما ما نعرفه من کتب الفرق و الکلام، أن الاعتقاد بالسيف کان مختصا بالخوارج و المعتزلة و الزيدية و کثير من المرجئة علي حد تعبير أبي الحسن الاشعري [260 ـ 324]  و هولاء کلهم مبتدعة على لسان أهل الحديث و السلف قديما، کما يقول ابوالحسن الاشعري  [مقالات الاسلاميين، ص 451]: و اختلف الناس في السيف علي أربعة أقاويل، فقالت المعتزلة و الزيدية و الخوارج وکثير من المرجئة ذلک واجب إذا أمکننا أن نزيل بالسيف أهل البغي و نقيم الحق». و لکن أهل الحديث و أهل السنة يعتقدون بلزوم طاعة الخلفاء، و لکن في الشرائط الجديدة، السلفية الجهادية مع ترک العقائد السابقة حذوا حذو الفرق المذکورة في لزوم الجهاد مع الولاة في البلاد الاسلامية الحالية.

هذا وإن آراء بعض علمائهم المتأخرين جائت موافقة لاراء أسلافهم قديماً حيث يعتقدون بعدم جواز محاربة الولاة. فقال القرضاوي في برنامج تلفيزيوني: إنّ الخروج علي الحکّام له أحکام في الإسلام، حيث أن الدين لم يفتح الباب علي کل من رأي منکرا عند حاکم أن يحمل السلاح و يعمل فتنة، لأن هذه قضية خطيرة جداً، و لا يمکن الخروج علي الحکام إلاّ في حالة الکفر الصريح الذي لايختلف فيه اثنان.... و أيضا فإنّ قتال الکفار لايکون لکفرهم بل يکون لعدوانهم... [انظر: تطور مفهوم الجهاد لماهر الشريف، [نقلا عن برنامج تلفيزيوني من الشيخ القرضاوي] ص 229). و اخيراً إن بحث إطاعة الولاة في السعودية، انقسم فيه العلماء و الطلاب السلفيين إلی قسمين، مدافع عن الحکومة و مخالف لها.

هذا والملحوظ حالياً أن القيادة السلفية الجهادية تصرّ علي محاربة الولاة باعتبار الکفر أو قبول ولاية الکفار أو عناوين أخر مثل الارتداد و غير ذلک، فمن هنا، يجب عليهم أن يعرفوا بديل الإمام لإذن الحرب، و من ثم  بدؤا بايجاد الأنظمة و المؤسّسات تحت رعاية عدّة من علماء السلفية وذلك من أواخر القرن العشرين للميلاد و مثل القاعدة، و سعوا في ايجاد مرکزية لکل الأنظمة الثورية السلفية على مر العشرات من السنين حتي تکون بديلا للإمام في ايجاد التنظيمات اللازمة للحرب.

فقد استطاعوا على زعمهم حل مشكلة الإذن مع عدم وجود الامام وذلك من طريقين ومرحلتين:

المرحلة الاولي تشکيل الجماعات و الأنظمة مثل القاعدة و غيرها و إثبات أنّ في عصر غياب الخليفة والإمام، يجب أن يحضر المسلم و المسلمة في هذه الأنظمة تحت رعايتهم و ضوابطهم و أوامرهم.

المرحلة الثانية تشکيل الخلافة اللامرکزية مثل الخلافة التي کانت متشکلة من أنظمة جهادية في سوريا، بحيث صار عدد من المنظمات يشکلّون دولة و حکومة لامرکزية لأن تکون بديلا للحکومات المرتدة علي حد تعبيرهم.

فبهذه المحاولات قاموا بحلّ مشکلة الإذن الفقهي للامام في أمر الجهاد، و إن صدور حکم الجهاد من ناحية رئيس الجماعة يعد بمنزلة الحکومة و الخلافة سابقا.

و هذا البحث، أي وجود الأنظمة الصغيرة أو الجماعات محل الدولة والخلافة و الإمامة، أمر بدء من ناحية‌ بعض الکتّاب السلفيين في أواخر القرن العشرين، و منهم عمر بن محمود ابوعمر صاحب کتاب الجهاد و الاجتهاد التي طبع في سنة 1999، حيث قال: و قد وجد في تاريخنا الاسلامي المجيد هذه الصورة التي أحاول رسمها، و هي وجود الجماعة الصغري بکلّ ما يعني لفظ الجماعة من معني، مثل معني التحزّب أو التنظيم، مع وجود القوة الرابطة الجامعة لهذه الجماعة و الحزب، فکانت بينهم العهود و البيعات علي الحق، و کان منهم من يختار الأمير و القائد، و هکذا تقوم بکل ما التقت عليه و تبايعت لحفظه أو لإعاته [الجهاد و الاجتهاد، ص 36] ففي تصوّره أن في مرحلة، لازم أن تکون التکتلات و التنظيمات، حتي يظهر رجل کبير يجمعهم في تجمّع واحد و تنظيم واحد و يشکّل دولة الشاملة الکبيرة. [راجع نفس المدرک، ص 37].

وإن نتيجة تلک الفتاوي الجديدة في واقع المجتمع الاسلامي، هي نشوب الحرب الاهلية، في الظاهر أو الباطن، حيث يقتل فيها الکثير من المسلمين الأبرياء، وذلك ما نبّه عليه بعض الکتّاب قبل عشرين سنة والذي جاء تحت عنوان نتيجة الفکر الجهادي الجديد ([الاسلام بين الدولة الدينية و الدولة المدنية، خليل عبدالکريم، ص 75]  و لکن السلفية الجهادية، ينظرون إلی غاية هذه الأعمال و هي تشکيل دولة کبيرة من جماعات صغيرة للمحاربة والقتال، وإن قتل جراء هذه العمليات في داخل المجتمعات الاسلامية الآلاف کما نراه اليوم.

 

ج: الاعمال الفدائية أو الاستشهادية

يعود اصطلاح الفدائي في التاريخ الاسلامي إلى الفرقة الإسماعيلية الشيعية، خصوصاً جماعة حسن صباح الذي أقاموا لهم دولة في إحدي جبال ايران باسم الموت في القرن الخامس و السادس الهجري، و الفدائيون الاسماعيليون، يقتلون الرؤساء والامراء الذين يصرّون علي حرب الاسماعيلية، کما قتلوا الخواجة نظام الملک وزير السلطان ملکشاه السلجوقي و عدة کثير من أُمراء‌الأتراک و غيرهم، و الاسماعيلية ليس لهم فقه منظم حتي يکتبوا شيئا في تأييد هذه العمليات فقهيا، بل هم يطعيون الامام، و ليس لدينا نصوص عن الفدائي و العمليات الفدائية في فقه الجهاد في المجاميع العلمية الإسلامية.

و لکن في العصر الحاضر في العديد من الحروب التي وجدت في العالم، بدأت العمليات الفدائية تلعب دوراً مهماً وفي نواحي مختلفة، كما في فلسطين ولبنان، ثم ما نراه حاليا هو امتداد للعمليات الفدائية.

و الذي يمکن أن يقال في تعريف هذه العمليات هو: «الأعمال العسکرية التي يقدم عليها فاعلها طلبا لقتل فرد أو عدة افراد و يقتل نفسه أيضا» فهذه العمليات يمکن أن تکون موجهة من قبل المنظمات وتقع تحت عنوان الكفاح المسلّح، کما يمکن أن تکون بشکل خاص يقوم بها شخص معين مثل العمليات الإنتحارية التي نراها يومياً في العراق و أفغانستان.

فکتب حول الموضوع عدة کتب و مقالات، مثل کتاب «الجهاد و الفدائية في الاسلام» للشيخ حسن ايوب و کتاب «الاعمال الفدائية» لسامي بن خالد محمود [الرياض، 1433] و بحث في کتاب «مسائل من فقه الجهاد» لابي عبدالله المهاجر عبدالرحمن العلي، [المسألة الخامسة: العمليات الاستشهادية، ص79 ـ ‌118]. و کتاب اسم «الدلائل الجلية علي مشروعية العمليات الاستشهادية»، لاحمد عبدالکريم نجيب، [مقالة کتبت في سنة 1423 / 2002] وهي موجودة في الانترنيت، و کتاب العمليات الإستشهادية في ميزان الفقهي، نواف هايل التکروري، بعنوان رسالة ماجيستر. 1977م.

و قال الدکتور سامي في تعريف العمليات الفدائية: أعمال يعرّض فيها المجاهد المتخفي ـ غالبا ـ نفسه للقتل، لإلحاق نکاية بالعدو او تحقيق مصلحة، طلبا للشهادة» [الاعمال الفدائية، ص 120] و يعرف هذا العمل به العمليات الاستشهادية أو الانتحارية.

اضافة إلی ما وقع من العمليات الانتحارية في الحرب العالمية الثانية او فيتنام، وأول عملية انتحارية في  العالم الاسلامي في فلسطين في سنة 1955 [نفس المصدر، ص 130]. و بعد في مناطق أُخري من لبنان و افغانستان و الشيشان و غيرها من البلاد.

أما البحث الفقهي عن هذه العمليات، بأشكالها المختلفة، مبتني على التمسّک بالعمومات القرآنية أو بعض الإشارات في الروايات و الأخبار، فهو بحث جديد في الفقه الاسلامي و ليس له أيّ سابقة أصلا.

فمؤلف مؤلف کتاب «الاعمال الفدائية» يشير إلى العمليات الإستشهادية في فلسلطين بعنوان أنها أعمال ذات جدوي؛ و يشير إلی بعض الايات التي تدلّ علي تحريض المؤمنين علي القتال، و لا خصوصية فيها للعمليات الانتحارية. [راجع نفس المصدر ص 170] ويستند أيضا إلی بعض الموارد من التاريخ الإسلامي والتي تصف هجوم احد الجند علي صفوف العدو ومن دون البحث في جواز ذلک أم لا، و يستفيد من ذلك جواز الاعمال الفدائية ولكن بشروط منها الاخلاص لله تعالي، و وجود النکاية بالعدوّ، و أن لايترتب علي هذا العمل مفسدة أکبر من مصلحته، و الاذن من امير [نفس المصدر ص 202].

و بعد ذلک يبحث عن قتل النفس خوفاً علي مصالح المسلمين، و أيضا تفجير النفس بقصد النکاية بالعدوّ، و هذه هي أشهر صور العمليات الفدائية في الوقت الحاضر علي ما يقول سامي بن خالد محمود في کتابه الأعمال الفدائية [ص 246]. و نقل الجواز عن بعض علماء أهل السنة المعاصرين من السعوديين و غيرهم، کما أن الشيخ محمد بن عثيمين افتي بالجواز بشرط وجود مصلحة کبيرة و نفع عظيم [ص 248] وإن كان قد أفتى بالعدم في مرة أخرى کما سنري، و من الادلة علي الجواز ما قاله الزبير بن العوام عندما طلب من اصحابه: اقتلوني و مالکا، أي مالک الأشتر! لانّه كان يري أن الاشتر أساس الفتنة! [ص 256] فموافقته علي قتلهما معا يدل‌ جواز العمليات الفدائية، و أدلّة اخري مثل هذا!

والشيخ بن باز يفتي بعدم الجواز حيث قال: (الذي أري وقد نبهنا غير مرّة أنّ هذا لايصلح لأنه قاتل نفسه و الله يقول: و لا تقتلوا انفسکم. (الفتاوي الشرعية في القضايا العصرية، ص 166).

و قال ابن عثيمين: حيث رأي في هذا أنه قاتل نفسه و انه سيعذب في جهنم بما قتل به نفسه [نفس المصدر ص 258]. علما بأن مثل هذه الفتاوي متأثر  بالأوضاع السياسية في بلادهم.

و قال سعيد عبدالعظيم: (فقتل بعض الجيش و الشعب بمثل هذه العمليات في أوضاعنا التي نعيشها اليوم هو من أتباع سبيل المجرمين، حيث لاينفک ذلک عن الغدر المحرّم و تعدي الأذي و المضرة البالغة للأبرياء دون مصلحة معتبرة) [تحصيل الزاد لتحقيق الجهاد، ص 204].

و کان للمسألة فروع کثيرة بإعتبار نوع العمليات و محلها، هل في دارالکفر، أو في دارالعهد، أو في دارالاسلام المحتلة من ناحية الکفار، و الأخير مورد مهم بالنسبة إلی أفغانستان أو العراق.

قال سامي بن خالد، صاحب كتاب (الاعمال الفدائية) مع ملاحظات خاصة: (و بهذه المقدمات يظهر لي ـ و الله أعلم ـ أن حکم تنفيذ العمليات الفدائية ضد العدوّ المحتل الذي لايتميز عن المسلمين و المعصومين هو عدم الجواز إلا لضرورة راجحة تقدّر بقدرها في أضيق الأحوال، صيانة لدم المسلم). [الأعمال الفدائية، ص 471].

 

د: جواز الاستفادة من أسلحة النووية و الکيمياوية و غيرها

يوجد بعض الأحکام في الفقه الإسلامي التي تشير إلی استعمال المنجنيق و الرمي من بعيد، و أيضا النصوص الفقهيه حول التحريق و غيرها، فاستفاد بعضهم من هذه النصوص جواز استعمال کلّ وسيلة يمکن أن يمحوا الکفار بها. فيقول أحدهم: (وعليه، فيجوز الرمي بالسهام المسمومة، ولا وجه لکراهية ذلک، کما تراه في بعض کتب المالکية، ...) ثم يقول: (أما بالنسبة إلى استخدام الرمي بالأسلحة النووية والکيميائية والجرثومية، فالواجب على المسلمين معرفة کل جديد من الأسلحة، ومعرفة طريقة استخدامها، وکيفية تصنيعها، ولکن الأصل عدم الإفساد في الأرض، وإتلاف النفوس. وبناءً عليه، فلا تستعمل هذه الأسلحة إلا في الضرورات، بحيث لا يمکن التغلب على العدو إلا بواسطتها، ولا سيما إذا کان ذلک من باب المعاملة بالمثل). [هامش کتاب الانجاد، ص 94 دارالامام مالک، موسسه الريان، ابوظبي، 2005] و يقول ابوعبدالله المهاجر: (ان القتل بما يعم جائز في نفسه غير متوقف علي شرط الضرورة ... إلا أن يتسبب ذلک في قتل المسلمين) [مسائل في فقه الجهاد، ص 171] و هو بعد البحث في جواز الاستفادة من مختلف الاسلحة يقول: (أن بحثنا السابق کله، و ما تضمنه من نصوص الفقهاء و الائمة في تقرير مشروعية رمي الکفار المحاربين و قتلهم و قتالهم بکل وسيلة تحقق المقصود بتفريعاتهم المختلفة التي سبقت معنا، إنما هو اساسا في قتال الطلب، أي حال غزو المسلمين للکفار و طلبهم لهم في بلادهم، و إذا تقرّرت معنا مشروعية رمي الکفّار المحاربين، و قتلهم، و قتالهم بکل وسيلة تحقق المقصود في قتال الطلب و إن کانت الوسيلة هي ما يعرف اليوم بأسلحة الدمار الشامل، من الأسلحة النووية، و الکيمياوية و الجرثومية و نحوها عند الحاجة إليها، فلا شک في تقرير هذه المشروعية من باب الأولي في قتال الدفع، أي عند نزول العدو الکافر ديار الاسلام). [مسائل من فقه الجهاد، ص 187 ـ 188]

 

هـ : قطع رؤوس الکفار أحياء أو أمواتا و نقلها من بلد إلی بلد

أما ابوعبدالله المهاجر في کتابه (مسائل من فقه الجهاد)، بعد أن أنکر جواز المثلة بأجساد الکفار، بحث في قطع رؤوس الکفار المحاربين و علي اساس بعض النصوص، فقال: (فهذه النصوص ... ظاهرة الدلاله في مشروعية قطع و حزّ رؤوس الکفرة الفجرة الحربيين أحياء کانوا أم أمواتا [مسائل من فقه الجهاد، ص 277].

ثم يبحث في حمل الرؤوس المقطوعة من الکفار من بلد إلی بلد اخري و قال: (و بهذا العرض لأقوال فقهاء المذاهب المختلفة يظهر لنا أن الأکثرين علي جواز نقل الرؤوس من بلد إلی آخر إذا کان في ذلک تقوية لقلوب المسلمين و کبت و إرغام للکافرين) [نفس المصدر، ص 282].

فالحاصل أننا نري في جميع مباحث الفقه الجهادي عند السلفية جواز قتل الكافر أو من يحسبون أنه کافر، بأيّ وسيلة كانت بما فيها الحروب والإغتيال و و الإرهاب و غيرها وجواز استعمال جميع الأساليب المروِّعة لهم، وعدم جواز الإستعانة بالكافر وجواز قتل جميع الكفار بما فيهم الحربي والمسلم المنحرف من وجهة نظر السلفية حيث يعتقدون بأن هولاء كذلك من الكفار، وأما المعاهد فقد استثنى من ذلك؛ و کذا جواز استعمال كل الوسائل الممكنة في إبادة الكفار بما في ذلك الأسلحة النووية والكيميائية،  وهذه هي خلاصة الفقه الجهادي السلفي المستفاد من التعامل مع المخالفين لهم، إما مع الاستدلال ببعض النصوص الروائي و التاريخي من العصر الأول، أو بعنوان المصلحة و تحت عناوين کلية.

نظر شما ۰ نظر

نظری یافت نشد.

پربازدید ها بیشتر ...

متکلمان در میان شکاکیت و رسیدن به حقیقت

رسول جعفریان

مباحث معرفت شناسی، و به طور ویژه، بحث از تعریف علم، امکان رسیدن به حقیقت و مقابله با سوفسطائی گری در

هزاره گرایی، خرافات و سیاست

رسول جعفریان

وقتی آشفتگی فکری و ناامنی سیاسی و اقتصادی از یک طرف و فقر از طرف دیگر فراگیر می شود، بساط خرافه گرای

دیگر آثار نویسنده بیشتر ...

از دانش تا شبه دانش در تمدن مسلمانی

رسول جعفریان

شماری از شبه دانشها در تمدن مسلمانی بوده و هست که نقش موثری در کاهش تأثیر مفهوم علم و ایجاد ممانعت ب

ذکر جمیل محمد تقی دانش پژوه

رسول جعفریان

گزارشی است کوتاه از فعالیت های استاد محمد تقی دانش پژوه که در مقدمه کتاب «محمدتقی دانش پژوه در دانشگ